الرئيسيةالبوابةبحـثدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 الحطيئة شاعر لم يسلم أحد من لسانه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المديرة
صاحب الموقع


انثى عدد الرسائل : 1243
. :
دعاء :
تاريخ التسجيل : 18/05/2008

مُساهمةموضوع: الحطيئة شاعر لم يسلم أحد من لسانه   الأربعاء مارس 04, 2009 1:58 pm

يميز أغلب العلماء العارفين بأغوار ومكنونات النفس البشرية، بين نماذج كثيرة مختلفة في عالم الإنسان، وهذه حقيقة مقررة تتفق بشأنها الأديان والمذاهب والفلسفات المختلفة، إذ وعلى الرغم من وحدة النفس البشرية من حيث المنشأ والأصل والخِلقة، باعتبارها إبداعاً إلهياً عظيماً، وصورة من صور القدرة الربانية الجليلة؛ بيد أن هذه النفس تتباين تبايناً كبيراً من حيث الطبائعُ والسلوكياتُ والمعاملاتُ، وبالتالي ينعكس ويؤثر هذا التباين في النظر إلى الناس والحياة والأشياء والوجود .

وفي أدبنا العربي رموز متنوعة تمثل نماذج غريبة قلقة من النفس البشرية، ومن تلك الرموز الغريبة حقاً الشاعر الحطيئة الذي عاش ناقماً متبرماً بكل مَنْ حوله ، ثائراً وناقماً على الناس والحياة .. بل وعلى نفسه التي بين جنبيه أيضاً .



من هو الحطيئة ؟

هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، من بني قُطيعة بن عبس، ينتهي نسبه إلى مضر، لُقِّب بالحطيئة لقصره وشدّة قربه من الأرض، ويُكنّى بأبي مُليكة (مليكة ابنته) ، وكان راوية زهير، فهو شاعر مخضرم ، أي جاهلي ـ إسلامي ، وقد نشأ الحطيئة وهو يعاني من دمامة وقبح في منظره وهيئته ، حتى شكّل ذلك في نفسه عقدةً لها أثرها السيئ في أقواله وأفعاله، بل لقد أدى به ذلك إلى أن قال في نفسه:
أرى لي وجهاً شوّه اللهُ خلقه فقبِّحَ من وجهٍ وقُبِّحَ حاملُهُ


ومن مظاهر دمامة الحطيئة ـ كما جاء في بعض مظان الأدب ـ أن فكّه الأسفل كان بارزاً جداً، مما جعله مشوّهاً تشويهاً فظيعاً، و لعل البيت السابق يصور هذه الحقيقة خير تصوير وأبلغه .



تـعريـف الهـجـاء:

الهجاء هو فنُّ الشتم والسباب وهو نقيض المدح كما يقول أحد أبرزوأقدم النقاد العرب هو قدامة بن جعفر صاحب كتابيْ " نقد الشعر " و " نقد النثر ".

والهجاء ـ كما يرى الدكتور محمد محمد حسين ـ أدب غنائي يصوّر عاطفةَ الغضب أو الاحتقار أو الاستهزاء والازدراء . وسواء في ذلك أن يكون موضوع العاطفة هو الفرد أو الجماعة أو الأخلاق أو المذاهب والأفكار.

ومن ثمة فإن الهجاء - لدى ممارسه ـ ما هو إلا وسيلة للتعبير عن طريقته الخاصة في الحس والتفكير والتصوير، معارضاً بذلك وشاجباً طرق الآخرين في حسهم وتفكيرهم .. تلك الطرق التي تثير بالمعارضة ذاتها غضبه، أو سخطه واستشناعه، أو خوفه واحتقاره، أو استهزاءه .

كما يقسّم النقاد الهجاء إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي :

ـ 1 ـ الهجاء الشخصي .
ـ 2 ـ الهجاء الأخلاقي .
ـ 3 ـ الهجاء السياسي .


فالهجاء الشخصي يعتمد بالأساس على مهاجمة الأفراد، وهو أقدم أنواع الشعر الهجائي وهو في معظم الأحيان إسقاط وانعكاس مفضوح للأهواء الشخصية، والمنازع الدونية والعلل النفسية ، فهو بعيد عن العدل والإنصاف، لأنه لا يرتقي إلى مشكلات الحياة العامة إلا في القليل النادر من نواحيه .

أما الهجاء الأخلاقي ، فإن موضوعه يتمركز حول الجرائم الأخلاقية أو الدينية، والمفاسد الاجتماعية، والعادات القبيحة، والعيوب الإنسانية على وجه العموم .

بينما يتميز الهجاء السياسي عن سابقيْه بأن صاحبه يرى مثله الأعلى في حزب من الأحزاب أو في طائفة من الطوائف، أو في مذهب من المذاهب ... فنراه يهاجم كلَّ ما يتعارض مع هذا المثل الأعلى من نقائص وعيوب ومعرّات يتبنّاها ويتمثّلها أنصار طائفة أخرى أو توجه آخر أو مذهب مغاير.. ويُلحق بهذا النوع كذلك الهجاء الديني والهجاء القَبَلِي .



بواعث الهجاء عند الحطيئة:

نشأ الحطيئة في محيط لم يساعده نفسياً واجتماعياً وإنسانياً على تحقيق ذاته واستكمال إنسانيته، يُضاف إلى ذلك ما منحه إياه القدر من دمامة في المنظر، وعسر في العيش ومسغبة في الحياة ، وشدة تقلب الناس و سرعة تغيير اتجاهاتهم ومنازعهم .. هذه العوامل كانت كفيلة بجعل هذا الشاعر أنموذجاً صارخاً للسخط على الحياة والناس والزمان، والانتقام ـ ولو بوسيلة الهجاء ـ من كلّ ما يعترض سبيله أو يحول بينه وبين تحقيق أغراضه .

ومما يروى أن نَسَبه ذاته لم يكن واضحاً، فقد اضطربت حوله الآراء، فمنهم من قال إن نسبته لبني عبس، ومنهم من قال إنه من قبيلة ذُهل، وورد أن الحطيئة قَدِم مرة على بني ذُهل وطلب ميراثه من الأفقم ... ثم مدحهم بقوله :
إن اليمامة خير ساكنها أهل اليمامـة من بني ذُهل
الضامنون لمال جارهم حتى يتم نواهـض البـقل
قوم إذا انتسبوا ففرعهم فرعي وأثبت أصلهم أصلي


ولقد شفق عليه بنو الأفقم، وأعطوه ثلاث نخلات، سميت بنخلات أم مليكة (امرأة الحطيئة)، لكنه لم يقتنع بما أعطوه، فأخذ يطالبهم بميراثه، ويلح على تسلّمه، إلى أن امتنع عليه بنو الأفقم فثار عليهم وحول مدحه لهم هجاء مقذعا، منه هذا البيت:
إن اليمامة شر ساكنها أهل القربة من بني ذهل


وقد امتد الأجل بالحطيئة إلى أن دخل الإسلام، لكن ظل إسلامه رقيقاً متقلباً ، خارجاً على حدود الدين والأخلاق مرة، وعلى القيم والمُثل العليا مرة أخرى، بل لبث الرجل فاسد الدين، متقلبا من حال إلى حال لا يكفّ عن الهجاء مورد رزقه، ولا يُلجم لسانه عن الطعن بالناس فكان يُدارى مرة بالمال، ويُعاقب مرة أخرى بالسجن، ولم يكد النبي - صلى الله عليه وسلم ـ يوافيه الأجل حتى ثار الحطيئة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأعلن النقمة التي لم يكن يجرؤ على التلفظ بها من قبل فقال :
أطعنا رسول الله إذا كان حاضرا فيا لهفتي ما بال دين أبي بكر
أيورثها بكرا إذا مـات بعـده فتلك وبيت الله قاصمة الظهر


وعن هذه الحادثة يقول ابن قتيبة في كتابه "الشعر والشعراء" وهو كتاب مشهور وصاحبه ثقة لدى أهل العلم والأدب : "ولا أراه أسلم إلا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم ـ لأني لم أسمع له بذكر فيمن وفد عليه من وفود العرب ".

وبعد أن ذكر ابن قتيبة البيتين الآنف ذكرُهما، قال :" وقد يجوز أن يكون أراد بقوله أَطَعنا رسول الله قومَه أو العرب، وكيف ما كان فإنه كان رقيق الإسلام، لئيم الطبع، ومن المشهور عنه أنه قيل له حين حضرته الوفاة: أوص يا أبا مُليكة، فقال: مالي للذكور من ولدي دون الإناث، فقالوا : إن الله لم يأمر بهذا [ أي ما يتعلق بتقسيم التركة ] فقال : لكني آمر به..." (1).



ثـورة شـاعـر:

من المعلوم إذن أن الحطيئة قد ثار على الوجود وعلى القدر الذي أتى به إلى هذه الحياة، ومن ثمة نراه يحاول الخروج والإفلات من محيط هذا القدر، لكنه لا يستطيع، ذلك أنه كان يشعر بواقعه المر الذي جعل بينه وبين أترابه من الغلمان شبها كبيرا، فثار على أهله وقومه جميعا، بما فيهم أخويه وبنيه وأمه، ثم أخيرا هجا نفسه وثار على ذاته وكينونته.

أما عن هجاه لأخويه فلأنهما قد حرماه من الميراث، أو بالأحرى منحاه ثلاثا من النخيل، وكأنهما يرمزان بها إلى ضآلة قدره؛ ولقد حاول الحطيئة أن يعتاض عن أخويه و والدته ببني قومه، فانتسب حينا إلى بني ذهل، قوم الأفقم الذي نَسَبته والدته إليه، بيد أن هؤلاء لم يقبلوه، فلعنهم كما لعن والديه وأخويه، وارتد إلى بني عبس فخذلوه هم كذلك، فهجاهم بقصائد كثيرة، وكانت هذه القصائد في الحقيقة تعبيرا غير مباشر عن نقمته على الحياة وعلى نفسه، وعلى أولئك الذين تنكروا له، وتتوضح لنا هذه الحقيقة إذا أمعنا النظر في هذه الأبيات التي يهجو فيها والدته وزوجها وبني جحش من العبسيين، والتي يقول فيها:
ولقد رأيتُك في النساء، فسؤْتِني وأنا بنـيكِ، فسـاءني في المجلسِ
إن الذلـيل لمن تزورُ ركابُـهُ رَهَطَ ابن جحشِ في مضيق المجلسِ
لا يصبرون، ولا تزال نساؤهم تشـكو الهـوان في البئيس الأبأْسِ
رهط ابن جحش في الخطوب أذلة دسم الثياب، قناتهم لم تضرس(2)
قَبَّـح الإلهُ قبيلةً لم يمنعـوا يوم المجيمر، جارَهُم من فَقْعسِ(3)
تركوا النساء مع الجياد لِمَعْشرٍ شُمس العداوة، في الحروب الشُوَّسِ


ونحن نرى الحطيئة يستهل قصيدته بهجاء أمه، مقابلا بينها و بين سائر النساء، وهو هنا يؤكد بأن أمه هي السبب الذي جعله يختلف عن بقية الفتيان؛ فقد كانت أمه متبذلة بين النساء، غير محافظة على شرفها، فكانت سببا في وجود الشاعر على هذه الوجهة ـ كما اعتقد ـ .

أجل إنه اعتراف الشاعر بذلك الجرح الداخلي الذي ما برح ينزف في أعماق نفسه وأغوار فؤاده ..

أما عن زوج والدته فقد كان يسوؤه في المجلس، بمعنى أنه كان قليل الشأن والقدر بين عِلْية القوم، لا يأخذون برأيه وتدبيره.

ثم يعرج الشاعر على بني عبس الذين انتسب إليهم في مستهل حياته، والذين خذلوه عندما قاضاهم في ميراث والدهم، فجعل يذكُر بخلهم، وهوان مَنْ يلتجئُ إليهم، ويركن لطلب مساعدتهم .

وفي قصيدة أخرى أكثر قذاعةً من الأولى يهجو فيها الحطيئة أمه بأبيات توحي بحالة الشاعر الداخلية والنفسية والمزاجية التي تعتصر ألماً وتتوهّج حرقةً ... جاء فيها قوله:
جـزاكِ الله شراً من عجوزٍ ولقَّاكِ العقوقَ من البنينا
تنحِّي فاجـلسي عني بعيداً أراح الله فـيك العالمينا
ألم أُظْهر لكِ البغضاءَ مني ولكن لا إخالك تعقـلينا
أَغِرْبالاً إذا استودعتِ سِرّاً وكانوناً على المُتحدّثينا
حياتكِ ما علمتُ حياة سوء وموتكِ قد يسرُّ الصالحينا



وهكذا راح الحطيئة يعبر عن نقمته الشديدة، بألفاظ ومعان يسيرة واقعية، ولكنها في الآن ذاته عميقة الدلالة علىالكآبة و الإسوداد الذي ما برح يُطبق على نفسه، باعثا فيه الشعور المؤجج بالنقمة والقلق والثورة.

ويتبدى لنا جليا أن الحطيئة رجل عصبي المزاج، متوتر الحواس، كثير الانزعاج من نفسه، ومما يحيط به، وممن يعايشهم، بل إنه يرى أن كل ما يحيط به هي أشباح تضايقه، وتؤثر في نفسه؛ وفي أبيات ركيكة العبارة متكررة الألفاظ يهجو الشاعر زوج والدته فيقول :
لحـاكَ الله ثم لحـاك حقاًّ أباً، ولحاكَ من عـمِّ وخـال
فنعم الشيخ أنت لدى المخازي وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم، لا حياك ربي وأبواب السفـاهة والضَّـلال


وهذه الركاكة في العبارة، والتكرار في بعض الألفاظ ـ كما يقول إيليا حاوي ـ توحي بأن الشاعر لم يكن ينظم وفقا لدربته الفنية الصادقة، وإنما يحاول أن يتنفس تحت وطأة النقمة والتمرد..والحق أن أمه بعد أن مات أوس زوجها، تزوجت رجلا آخر كان مشوب الأصل، خاملاً زرياً، وكان الشاعر يأمل أن تتزوج والدته رجلا كريما يقيله عثرته ويفيد من جاهه( 4)

وهكذا أصبح الهجاء قاعدةً و أصلاً في شعر الحطيئة لا يكاد ينطق بغيره، ولا يحلو في فمه سواه، حتى وصل به الأمرفي نهاية المطاف أن يقذع في حق نفسه وأن يهجوها ويغلظ القول ، كما جاء ذلك في كتب الأدب العربي ومصادره المشهورة ؛ فقد روت تلك الكتب أن الحطيئة خرج ذات يوم مضطرب المزاج وفي نفسه رغبة عارمة في الهجاء فأخذ يردد:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما بسوء فما أدري لمن أنا قائله


إلا أنه لم ير أحداً...وبينما هو على الطريق إذْ أطلَّ على بئر، فرأى صورته معكوسة على سطح الماء، وبعد أن تأملها جيدا وتفرّس ملامحها قال:
أرى لي وجهاً شوّه الله خلقه فقُبِّح من وجه وقُبِّح حاملُه


ولا شك أن موقف الشاعر هذا من نفسه يضعه بين أكبر رموز الشعر الهجائي في تاريخ الأدب العربي، وربما الانساني أيضاً... بل يجعل منه الرائد الأول بلا منازع لهذا الغرض الشعري العجيب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://dz-blanche.yoo7.com
المديرة
صاحب الموقع


انثى عدد الرسائل : 1243
. :
دعاء :
تاريخ التسجيل : 18/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: الحطيئة شاعر لم يسلم أحد من لسانه   الأربعاء مارس 04, 2009 2:00 pm

رقة إسلام الحطيئة:

يكاد نقاد الأدب العربي يُجمعون على أن الهجاء لدى الحطيئة كان سببا هاما من أسباب رقة إسلامه، ونأيه عن الورع والمروءة وكمال الرجولة، ومما يروى عنه في هذا النطاق ما حدث له مع " الزبرقان "... فقد جاور الحطيئة الزبرقان بن بدر، وكانت لهذا الأخير خصومة وجفاء بينه وبين بني أنف الناقة ـ وهم من قومه يُعَيَّرون "بأنف الناقة"(5)، وكان كل طرف يدعي بأنه أشرف من الطرف الآخر، إلى أن اتصل الحطيئة ببني أنف الناقة، وأخذ يمدحهم، ويشيد بمكانتهم..ومما قاله فيهم:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا؟


وكان من العجب أن تحول ذاك اللقب الدنيء اعتزازا وفخرا ومهابة لهم بفضل هذا البيت القوي الذي نبع فجأة من قريحة الحطيئة.

وكان طبيعيا كذلك أن تشتد العداوة بين الحطيئة والزبرقان الذي تعمقت الجفوة والمباعدة بينه وبين بني أنف الناقة، وبعد أن ترك الحطيئة جيرة الزبرقان تحول إلى مجاورة "بغيض"(*) فأكرم جواره وأحسن معاملته، فقال يهجو الزبرقان ويمدح بغيضاً هذا:
ما كان ذنبُ بغيض أن رأى رجلاً ذا حاجة عاش في مستوعر شاسِ(6)
جاراً لقوم أطالوا هُونَ منزله وغـادروهُ مقـيماً بين أرمـاسِ
مَلُّوا قِراهُ وهَـرَّتْهُ كلابُهـم وجَـرَّحوهُ بأنيابٍ وأضــراسِ
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعـد فإنك أنتَ الطاعم الكاسي


فشكاه الزبرقان إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر:

بماذا هجاك؟ فقال له الزبرقان: لقد قال لي:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي


فقال له عمر رضي الله عنه: " ما أسمع هجاءً ولكنها معاتبة..أما ترضى أن تكون طاعماً كاسياً "؟ فقال الزبرقان " إنه لا يكون في الهجاء أشد من هذا يا أمير المؤمنين ..أو تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس..سل ابن الفريعة ".. يعني حسان بن ثابت رضي الله عنه.

فقال عمر: عليَّ بحسان، فجيء به، فقال: أتراه هجاه؟ فقال حسان:" قد هجاه وأقبح"..فقال عمر: والله لأشغلنَّه عن أعراض المسلمين، وأمر بحبسه على الفور.

غيرأن الحطيئة ـ وهو في السجن ـ أخذ يستعطف عمر رضي الله عنه، ويذكّره بحال عياله وأولاده من ورائه قائلا:
مـاذا أردتَ لأفراخِ بذي مَرَخٍ حُمرُ الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيتَ كاسبَهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سـلام الله يا عمرُ
أنت الأمين الذي من بعد صاحبه ألقى إليك مقاليدَ النهى البشـرُ
لم يؤثروك بها إذْ قدموك لها لكن لأنفسهم كانت بك الخِـيَرُ


فرقَّ له الخليفة العادل، وأخرجه من محبسه وقال له:" إياك وهجاء الناس" .. فقال الحطيئة: " إذاً يموت عيالي جوعا، هذا مكسبي ومعاشي". وفي رواية صاحب الأغاني أن عمر الفاروق رضي الله عنه اشترى منه أعراض المسلمين جميعا بثلاثة آلاف درهم وأخذ عليه ألاّ يهجو أحداً بعدها، فالتزم الحطيئة بعهده طوال مدة حياة عمر، إلا أنه رجع مرة أخرى إلى الهجاء بعد وفاته.(7)

ولعل هذا المسلك المتقلب هو الذي جعل بعض الدارسين والباحثين في تاريخ الأدب العربي يشكك في إسلام الحطيئة من الأساس.

يقول الدكتور طه حسين:" ومهما يكن من شيء، فقد كان الحطيئة أخمل ذكراً، وأهون شأناً، من أن يظهر له خطر في الإسلام أيام النبي، ولكنه اضطر حين انهزم المرتدون إلى أن يذعن لما أذعنت له العرب، ويدخل فيما دخل فيه الناس، فاتخذ لنفسه من الإسلام رداءً لم يشك الرواة في أنه كان رقيقاً جدا ًيشفُّ عما تحته من حب الجاهلية وإيثارها والحزن الشديد عليها... وأكاد أعتقد أن الحطيئة لم يكد يُظهر الإذعان والطاعة والدخول في دين الله حتى حدّثته نفسه أن ينفض هذا كله، وأن يهرب إلى حيث يستطيع أن يعيش عيشته تلك التي كان يحبها ويهواها "(Cool.

ويقول الدكتور أحمد حسن الزيات:" وقد بلغ من لؤمه أن هجا أمه وامرأته وبنيه.. بل و حتى نفسه، فلما جاء الإسلام أسلم، ثم ارتد ثم عاد مزعزع العقيدة، فلم يستطع الدين أن يرفع هذه النفس الوضيعة، فمَرَجَ لسانه في أعراض الناس، واشتدت وقيعته فيهم" (9).

ونحن لا نستغرب كل هذا من الحطيئة، بعد أن عرفنا الكثير من مواقفه خلال أطوار حياته ذات الطبيعة الزئبقية القلقة المتقلبة.. بل إن هذه النزوعات التعيسة استمرت مترسخة في سلوكه حتى وهو يودع الدنيا ويستقبل الآخرة، فقد طلبوا منه لما حضرته الوفاة أن يترك وصية فقال: من الذي يقول:

إذا أنبض الرامون عنها ترنّمتْ ترنم ثكلى أوجعتْها الجنائزُ

فقالوا له" إنه الشماخ"، فقال:" أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب" فقالوا له: ويحك أهذه وصية ! أوص بما ينفعك! قال: أبلغوا أهل ضابئ - يعني ضابئ بن الحرث اليربوعي - بأنه أشعر العرب.

حيث يقول:
لكل جديد لذة غير أنني رأيت جديد الموت غير لذيذ


قالوا له: يا أبا مليكة: ألك حاجة ؟ قال:" لا والله، ولكن أجزع على المديح الجيد يُمدح به مَنْ ليس له أهلاً " فقالوا له: ومن أشعر الناس ؟ فأومأ بيده إلى فيه وقال: هذا الجُحَيْر إذا طمع في خير ! قالوا: فهل شيء تعهد فيه غير هذا ؟

قال: تحملونني على أتان وتتركونني راكبها حتى أموت، فإن الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مَرْكبٌ لم يمت عليه كريم قط ! وهكذا لم يسترح الخلق من الحطيئة ، بل لم يسلم الناس من أذاه ونهشه لأعراضهم حتى أسكته الموت سنة 9هـ ، الموافـق لـ 679 م في أرجح الأقوال... وبذلك طُويتْ صفحـة من أغرب صفحات تاريخ أدبنا العربي.



الهـوامـش:

1- أنظر ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ص 148، دار الكتب العلمية، بيروت 1981 م.

2- دسم الثياب: مدنسة، وهي أيضا كناية عن دنس الأخلاق، ولم تضرس: أي لم تعجمها الحرب.

3- المجيمر: أرض لبني فزازة، وفقعس: حي من بني أسد.

4- إيليا حاوي، الحطيئة، ص 33، بتصرف قليل.

5- أنف الناقة هو لقب أحد أجدادهم.

* هو بغيض ابن عامر من قبيلة بني أنف الناقة.

6- مستوعر: اسم مكان شديد القيظ، وشاس: خشب من الحجارة وأصله شأس بالهمزة خفف بحذف الهمزة.

7- أنظر الأغاني للأصفهاني، المجلد الثاني، ص 57.

8- د. طه حسين، حديث الأربعاء، ج1، ص 133، ط2، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1980.

9- د. أحمد حسن الزيات، تاريخ الأدب العربي، ص 169، ط28، دار الثقافة، بيروت 1978 م.

المـراجـع:


- الحطيئة لإيليا حاوي - دار الكتاب اللبناني.

- الهجاء والهجاءون في الجاهلية، د. محمد محمد حسين، دار النهضة العربية.

- حديث الأربعاء، طه حسين، دار الكتاب اللبناني.

- الشعر والشعراء لابن قتيبة، دار الكتب العلمية.



ابراهيم النويري

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://dz-blanche.yoo7.com
 
الحطيئة شاعر لم يسلم أحد من لسانه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: * * * المنتــــــديات التعليميــــة * * * :: البحوث العلمية-
انتقل الى: